مجمع البحوث الاسلامية

281

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

التّعليمات الإسلاميّة في شأن المسائل الاجتماعيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة ، وقد تضمّنت الآية ستّة أصول مهمّة : الثّلاث الأول منها ذات طبيعة إيجابيّة ومأمور بالعمل بها ، والبقيّة ذات صفة سلبيّة منهيّ عن ارتكابها . فتقول في البدء : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى النّحل : 90 ، وهل يمكن تصوّر وجود قانون أوسع وأشمل من « العدل » ؟ ! فالعدل هو القانون الّذي تدور حول محوره جميع أنظمة الوجود ، وحتّى السّماوات والأرض فهي قائمة على أساس العدل « بالعدل قامت السّماوات والأرض » . والمجتمع الإنسانيّ الّذي هو جزء صغير في كيان هذا الوجود الكبير ، لا يقوى أن يخرج عن قانون العدل ، ولا يمكن تصوّر مجتمع ينشد السّلام يحظى بذلك ، دون أن تستند أركان حياته على أسس العدل في جميع المجالات . ولمّا كان المعنى الواقعيّ للعدل يتجسّد في جعل كلّ شيء في مكانه المناسب ، فالانحراف والإفراط والتّفريط وتجاوز الحدّ والتّعدّي على حقوق الآخرين ، ما هي إلّا صور لخلاف أصل العدل . فالإنسان السّليم هو ذلك الّذي تعمل جميع أعضاء جسمه بالشّكل الصّحيح ، بدون أيّة زيادة أو نقصان ، ويحلّ المرض فيه وتتبيّن عليه علائم الضّعف والخوار بمجرّد تعطيل أحد الأعضاء ، أو تقصيره في أداء وظيفته . ويمكن تشبيه المجتمع ببدن إنسان واحد ، فإنّه سيمرض ويعتلّ إن لم يراع فيه العدل . ومع ما للعدالة من قدرة وجلال وتأثير عميق في كلّ الأوقات - الطّبيعيّة والاستثنائيّة - في عمليّة بناء المجتمع السّليم ، إلّا أنّها ليست العامل الوحيد الّذي يقوم بهذه المهمّة ، ولذلك جاء الأمر ب ( الاحسان ) بعد ( العدل ) مباشرة ، ومن غير فاصلة . وبعبارة أوضح : قد تحصل في حياة البشريّة حالات حسّاسة لا يمكن معها حلّ المشكلات بالاستعانة بأصل العدالة فقط ، وإنّما تحتاج إلى إيثار وعفو وتضحية ، وذلك ما يتحقّق برعاية أصل « الإحسان » . وعلى سبيل المثال : لو أنّ عدوّا غدّارا هجم على مجتمع مّا ، أو وقعت زلزلة أو فيضان أو عواصف في بعض مناطق البلاد ، فهل من الممكن معالجة ذلك بالتّقسيم العادل لجميع الطّاقات والأموال ، وتنفيذ سائر القوانين العاديّة ؟ ! هنا لا بدّ من تقديم التّضحية والبذل والإيثار لكلّ من يملك القدرة الماليّة ، الجسميّة ، الفكريّة ، لمواجهة الخطر وإزالته ، وإلّا فالطّريق مهيّأ أمام العدوّ لإهلاك المجتمع كلّه ، أو أنّ الحوادث الطّبيعيّة ستدمّر أكبر قدر من النّاس والممتلكات . والأصلان يحكمان نظام بدن الإنسان أيضا بشكل طبيعيّ ، ففي الأحوال العاديّة تقوم جميع الأعضاء بالتّعاضد فيما بينها ، وكلّ منها يؤدّي ما عليه من وظائف بالاستعانة بما تقوم به بقيّة الأعضاء ، وهذا هو أصل العدالة . ولكن ، عندما يصاب أحد الأعضاء بجرح أو عطل يسبّب في فقدانه القدرة على أداء وظيفته ، فإنّ بقيّة الأعضاء سوف لن تنساه ، لأنّه توقّف عن عمله ، بل تستمرّ في تغذيته ودعمه . . . ، وهذا هو الإحسان . وفي المجتمع كذلك ، ينبغي للمجتمع السّليم أن يحكمه